العيادة النفسية للدكتور : الأمين اسماعيل بخاري

اتصل بنا English مشاركات الزملاء المنتدى النفسي الصفحة الرئيسية

القائمة الرئيسية >>حكايات نفسية>>الشمّاسة

 
 

 الشمّاسة

الفصل1 | الفصل2 | الفصل3 | الفصل4

يسكن  تامر مع أسرته  المكونة من والديه وأخ وأخت يصغرانه في منزل صغير في الثورة، الحارة العاشرة. إلى ما قبل تسعة أشهر كان الوالد يعمل محاسبا بشركة للعقارات براتب يكفي لسد احتياجات الأسرة. تغير كل شيء فجأة بعد أن أعلنت الشركة إفلاسها وتم الحظر على كل ممتلكاتها. وجد جميع العاملين بين ليلة وضحاها أنفسهم مشردين وبلا عمل. حتى حقوقهم من عملهم بالشركة ضاعت ولا احد يعرف مصيرها.

 استطاع والد تامر أن يدبر شؤون الأسرة لمدة ثلاثة أشهر من مبلغ استلفه من أحد أقاربه, بعدها اضطر للتخلص من بعض محتويات المنزل أولاً الإلكترونية ثم من بعد الكهربائية والخشبية وأخيراً بعض الملابس الغير ضرورية. عندما ضاق الأمر بالأسرة أخذت الأم الطفلين الصغيرين والتجأت بهم  إلى منزل والدها. بقي تامر مع والده ليواصل دراسته بالمدرسة الإعدادية القريبة من المنزل.
ظل الأب يخرج يومياً في الصباح الباكر باحثاً عن عمل جديد ليعيد شمل الأسرة مرة أخرى و لكنه لم ينجح في مسعاه. أخيراً اضطرت إدارة  المدرسة لفصل تامر لعدم تسديده للمصاريف المدرسية.
كان يصحو في الصباح ولا يجد والده بالمنزل ولا شي يأكله إلا بقايا من خبز ناشف. بدأ يتجول في الشوارع ليملأ وقته وليسد رمقه بأي وسيلة, وأخيراً التقى بمجموعة من الصبية في عمره  مشردون بلا عائل وهائمون في الشوارع.
اضطر لمصاحبتهم ولكي يتقبل في المجموعة صار لزاماً عليه أن يفعل ما يفعلونه وينصاع لأوامرهم. مرات عديدة كان يتأخر في العودة للمنزل وأحياناً يقضى ليلته في الخارج. ساءت العلاقة بينه وبين والده كثيراً عندما اتضح للوالد التغيير الكبير في سلوكه.
عاد  في احد المرات متأخراً للمنزل تفوح منه رائحة الخمر مما أضطر الوالد لضربه ونعته بعبارات قاسية. منذ تلك الليلة لم يعد  تامر للمنزل.
حاول الوالد أن يعيده بشتى الطرق  ولكن كان تامر يتفادى والده ويهرب عندما يراه, لقد قرر أن لا يرجع للمنزل نهائيا.

 تعلم كثيراً من السلوكيات السيئة لكي يتعايش مع مجتمعه الجديد مثل السرقة والاحتيال  والتسول. تعود على شرب الخمر واستنشاق البنزين والتدخين وحتى الأكل من القمامات.
كان عليه أن يبقى مع المجموعة دائماً  لحماية نفسه من اعتداءات المجموعات الأخرى وخاصة التي تضم أعماراً أكبر. حدثت مشاجرات عدة بين مجموعته ومجموعات أخرى منافسة خاصة على مناطق النفوذ. في احد المرات أصيب إصابة بالغة في رأسه وكاد أن يفقد وعيه. كان يتعرض كثيراً للتحرشات ومن بينها الجنسية حتى من بعض أفراد مجموعته الذين يكبرونه سنا وكان عليه أن يدافع عن نفسه وأحيانا قد يغلب على أمره ما لم يهب لنجدته أحد من أصدقائه من بين أفراد المجموعة.

أمتهن بعض الصبية المشردون ممارسة الدعارة مختارين وأحياناً تحت تهديد ووعيد عصابات معروفة تستغلهم لهذا الغرض للكسب المادي. هذه المجموعة  تبدو ناعمة ومسالمة وحسنة المظهر والملبس.  فهم لا يحتاجون للتسكع في الشوارع بقصد السرقة أو التسول لتأمين حياتهم لأن لديهم ما يكفيهم من مال اكتسبوه عن طريق بيع أجسادهم الغضة لمن يدفع الثمن. فهم يرتادون دور معينة مشبوهة مساء تدار بواسطة "قوادون" متمرسون يقدمونهم لمرتادي هذه الأماكن الذين يدفعون بسخاء نظير قضائهم وقتا يعتبرونه ممتعا يختلون فيه  بهؤلاء الصبية. في هذه اللقاءات  يوفر لهم الأكل الطيب والمشروبات الغازية والكحولية والسجاير وبعض المواد المخدرة إلى أن يغادروا هذه الدور مع  تباشير الصباح بما كسبوه من مال وفير. يقضون نهارهم  لاهيين عابثين في الحدائق العامة  أو في دور الألعاب الالكترونية ومقاهي الانترنت  ومجمعات  التسوق.  ويحصلون على طعامهم ليس من القمامة أو بواسطة التسول بل من محلات بيع السندوتشات أو المطاعم الصغيرة بما لديهم من مال. يحاولون وسعهم تجنب المجموعات العنيفة التي تتحرش بهم وتحاول سلبهم ما يملكون من مال أو حتى تجريدهم من بعض ملابسهم التي تحلو لهم.  

المجموعات  المتشردة  الأخرى  ليس لها مقر محدد. يظلوا متسكعين طوال اليوم وذلك لممارسة التسول والسرقة والنشل والاحتيال والخطف أو استعمال العنف لتأمين حياتهم. لا يخلو يوم من  مصادمات ومشاجرات عنيفة بين هذه  المجموعات قد تسيل فيها  الدماء أحيانا لأقل تحرش من أحد أفراد مجموعة بأخرى أو انتقاماً من مجموعة أعتدت على أخرى  سابقاً. يشترون بعض الأكل مما يسرقون وبالعدم ينافسون القطط والكلاب في البحث عن الطعام في القمامات. يقضون ليلهم في البنايات المهجورة والأبنية  تحت التشييد والحدائق العامة والمساجد ودائما يحرصون على تغيير أماكن نومهم وذلك إمعاناً للسلامة ولكي لا تفاجئهم المجموعات المعادية وهم نيام وتعتدي عليهم. يعتبرون أفراد الشرطة ألد أعدائهم لأنهم يقومون من آن لأخر بمداهمتهم وحصارهم للقبض على البعض للتحقيق معهم في جرائم متنوعة أو لاتهامهم بالتسول أو التشرد,لذلك يقومون بإنذار بعضهم متى ما شوهد شرطي في المنطقة لكي يأخذ الجميع حذره. تقوم الشرطة أحيانا بتجنيد بعضهم أو زرع بعض أفرادها بينهم وذلك للكشف مسبقا عما يخططون له أو لكشف بعض الجرائم الغامضة. لذلك هم يحذرون أي منتسب جديد لأي مجموعة وأحياناً يحذرون بعضهم البعض. بعض أفراد الشرطة المنحرفون قد يستغلونهم جنسياً مقابل عدم التبليغ عنهم أو القبض عليهم.  الكل يعاديهم  و يكرههم ويقوم بطردهم كالحيوانات السائبة خاصة أصحاب المحلات التجارية والمطاعم الذين  يخشون  سرقاتهم  أو تدميرهم  لممتلكاتهم. من يتلطف بهم أو يتودد إليهم يشكون في أمره وفى نواياه. لذلك فهم دائما على حذر ولا يثقون في أحد.
تعامل المجتمع معهم بهذه الكراهية
وهذا العداء جعلهم يحقدون على هذا المجتمع الذي نبذهم و سلبهم آدميتهم.  لذلك عندما يتعرضون لمداهمة من الشرطة أو إيذاء من البعض يقومون بالانتقام وصب جام غضبهم على  كل شيء يقع في طريقهم. وقد يصيبون بالأذى الجسيم من يعترض طريقهم أو يلجئون  لتخريب الممتلكات  وتحطيم العربات  وإشعال الحرائق في الأسواق.

 بعد إعطاء هذه التفاصيل المؤلمة عن حياة الشارع التي كان يعيشها بعد ترك منزل والده ذكر تامر للحاج انه كان بالأمس يشعر بالجوع الشديد. اقترب من المطعم وشاهده من الخارج وهو يتناول طعامه. أغتنم فرصة ابتعاد الجرسونات للجانب الآخر من المطعم واقترب من الحاج متوسلاً لجنيهين. إلّا أن الحاج ألح عليه بالجلوس ليطعم نفسه. لم يكن يفكر في الحقيبة بادي الأمر ولكن بعد ذهاب الحاج للحمام وتركه للحقيبة وراءه  لم يستطع مقاومة الرغبة الملحّة  لسرقتها ما دامت الفرصة مواتية خاصة وانه كان يجلس قريباً من المخرج ولا يوجد أحد من الجرسونات بالقرب منه. تناول الحقيبة وبسرعة اختفى في الخارج. بعدها شعر بتأنيب شديد في ضميره وتذكر كيف واجه الحاج الجرسون مدافعاً عنه ومصراً على بقائه حتى  يكمل طعامه. قرر أن يعيد الحقيبة للحاج في الوقت المناسب و لكي لا يلحظه أحد من الصبية وهو يحمل الحقيبة قام بإخفائها تحت كومة من مخلفات أحد الأبنية المجاورة.
عاد في صباح هذا
اليوم وكان لديه شعور بأن الحاج قد يمر بالمنطقة باحثاً عنه، فلحظة رؤيته لسيارة الحاج لحق بها عند الإشارة وآخذا مكانه داخلها  بجانب الحاج.

 تأثر الحاج كثيراً بعد سماعه لقصة تامر المحزنة. قرر أن يعيده لأسرته ولمدرسته وانتشاله من الشارع وأهواله. تردد تامر أول الأمر لأنه كان يصعب عليه مواجهة والده بعد كل الذي  حدث منه. لكن حاج عبد الرحمن طمأنه ووعد أن يساعد ه علي إصلاح العلاقة بينه وبين والده.

توجه الحاج بإرشاد تامر إلى منزل والده  بالثورة,نزل تامر ليطرق الباب ولكن يبدو أن  لا أحد بالداخل. أطلت إحدى الجارات من باب منزلها لتخبرهما أن صاحب المنزل يرقد مريضا بالمستشفى النفسي بعد أن ظل طريح فراشه لعدة أيام.
زارته زوجته يوما فوجدته في حالة صحية سيئة وأخذته للمستشفى في الحال. توجها إلى المستشفى وأرشدهما احد الممرضين للغرفة التي يرقد فيها والد تامر. للمفاجأة  كانت والدة تامر داخل الغرفة. احتضنته والدته للحظات لم يستطع فيها الاثنان حبس دموعهما.  كان والد تامر مستغرقا في نومه وقد طلب من الزوجة أن لا تزعجه بل تتركه  يفيق من نفسه.
كذلك لوحظ أن المريض يتلقى السوائل عن طريق الوريد بالجهاز الخاص بذلك. توجه الحاج إلى غرفة الطبيب الذي أوضح له أن والد تامر ادخل المستشفى وهو يعانى من مرض اكتئابي شديد أمتنع معه عن الأكل والشراب وحتى الكلام  ولذلك تقرر أن يعالج بالجلسات الكهربائية. أخذ هذا الصباح جلسته الثانية وطمأنه الطبيب على أنه يستجيب تدريجياً للعلاج وسوف يكون في وضع يسمح بخروجه من المستشفى خلال أسبوعين.
تكفل الحاج بكل تكاليف العلاج وطلب من الزوجة أن تصحب تامر معها إلى منزل الجد بعد انتهاء الزيارة  ووعد أن يزور والد تامر في اليوم التالي  ليطمئن عليه.

تحسنت صحة والد تامر كثيراً مع العلاج بالجلسات الكهربائية, كان مسروراً لعودة تامر وتجمع كل أسرته حوله في المستشفى. أخبرهم أنه سئم الحياة بعد أن فقد الأمل في إيجاد عمل جديد وبعد أن هجرته كل الأسرة.
كان يتمنى الموت لعدم استطاعته توفير حتى الطعام لأسرته مما اضطر زوجته أن تترك المنزل وتأخذ معها الطفلين لمنزل والدها. وأخيراً ساء الحال بينه وبين تآمر مما اضطر الأخير كذلك أن يترك المنزل ويتشرد في الشوارع.

 بعد خروج والد تامر من المستشفى طلب الحاج من الزوجة أن تعود لمنزل زوجها مع الطفلين لتكون مع زوجها وتآمر. وعندما اجتمعت الأسرة جميعها فاجأهم حاج عبد الرحمن بإعلانه انه قرر أن يمنح  تامر مبلغ عشرة آلاف دولار أمريكي وهى عبارة عن مكافأته على استعادة حقيبته المفقودة, هذا المبلغ سيكفي الأسرة لشهور عدة إلى حين تدبير عمل جديد للوالد وكذلك سوف يمكن تامر من تسديد مصاريف الدراسة والعودة للمدرسة من جديد. تأثر الجميع  وبكوا من شدة الفرح وشكروا الحاج كثيرا لما قام به تجاههم ولمساعدته لهم على لم شملهم. والمفاجأة السعيدة  الأكبر هي أن الحاج استطاع في خلال أسابيع أن يدبر لوالد تامر عملاً في مصنع يملكه أحد أصدقائه  براتب يساوي ضعف مرتبه من عمله السابق.

 

الفصل1 | الفصل2 | الفصل3 | الفصل4

 

الدكتور الأمين بخاري


 عودة للأعلى

 
 
   

تصميم : المهندس

لأفضل تصفح يرجى استخدام  Internet Explorer 6  أو Firefox 1.5
مع دقة شاشة 600*800 أو 768*1024

جميع الحقوق محفوظة © لـ :موقع النفسية 2005 - 2010