العيادة النفسية للدكتور : الأمين اسماعيل بخاري

اتصل بنا English مشاركات الزملاء المنتدى النفسي الصفحة الرئيسية

القائمة الرئيسية >>حكايات نفسية>>الشمّاسة

 
 

 الشمّاسة

الفصل1 | الفصل2 | الفصل3 | الفصل4

 أوقف حاج عبد الرحمن رجل الأعمال الشهير سيارته أمام احد مطاعم العاصمة الفاخرة ليتناول وجبة الغداء قبل أن يلحق بموعد هام عند مكتب للعقارات ليكمل صفقة شراء فيلا فاخرة تقع في منطقة سكنية حديثة اشتهرت بفخامة مبانيها. لم ينس أن يأخذ معه حقيبة يده التي تحوى قيمة العقار نقدًا لأن الوسيط أصر على عدم تقبل أي صك "شيك" لعدم اطمئنانه له.

شعر بشي من الانتعاش عند دخوله المطعم بعد أن لفحه هواء المكيفات البارد, المطعم مكتظ كالعادة بالرواد ولكن لحظه الجميل عثر على طاولة لأربع أشخاص بالقرب من الباب الرئيسي, من هنا يستطيع أن يرى الداخل والخارج وكذلك المارين أمام المطعم وهو يتناول طعامه في هدوء.
وضع الحقيبة على الكرسي المجاور له لتكون تحت نظره طول الوقت, هو يعلم أن هذه الأماكن العامة تكثر فيها السرقة والخطف لو غفل أحد لحظة عما يحمله معه...

تقدم نحوه أحد "الجرسونات"  مبتسما ووضع أمامه قائمة الطعام  وانتظر لحين اختيار الحاج لوجبته المفضلة..

" ممكن تعطيني واحد مشاوي  مشكلة؟"

"حاضر يافندم. تفضل وخذ كفايتك من السلطات لحين إحضار الطلب"

اختار حاج عبد الرحمن سلطته بعناية وجلس ليأكل لإحساسه بالجوع وعندما وصل الطلب كاد أن يشعر بالامتلاء. رائحة "المشاوي" طيبة ومذاقها أطيب مما شجعه على مواصلة الأكل.

 " عمو ممكن تعطيني جنيهين أشتري سندوتش. أنا ما أكلت شيء من أمس".

تطلع حاج عبد الرحمن إلى الأعلى ليشاهد صبيا في حوالي الثانية عشر من عمره يقف أمامه. يبدو انه من أطفال الشارع المشردين "شماسي" وذلك من مظهر ملابسه وجسده المتسخ. ولكن مع ذلك تكسو وجهه النحيل الشاحب  مسحة من الوسامة والوداعة.
تذكر أيام الجوع والحرمان التي مر بها في طفولته فأصبح لا يحتمل ويتألم لرؤية طفل جائع.

" أهو الأكل أمامك. اجلس وكل ما تريد. أنا أكلت ما يكفيني."

"لكن عمو الجرسونات ما يتركونا نجلس مع الزباين. هم يشتمونا ويضربونا لو وجدونا داخل المطعم"

" ما تخاف. أنا العازمك. أجلس."

جلس الصبي في تردد وهو يراقب الجرسونات في الجانب الآخر من المطعم. بدأ يلتهم  الطعام  بشراهة وبسرعة خيفة أن يلحظه أحد الجرسونات ويقوم بطرده قبل أن يكتفي..

" الظاهر انك جوعان. ما اسمك؟"

وبدون أن يرفع رأسه عن الطعام أجاب:

" اسمي تآمر عمو."

" أين تسكن؟"

" الثورة، الحارة العاشرة مع والدي. أمي تركت البيت مع أخواني الصغار. راحت عند جدو"

 "يا ولد أنت. يلا بره. مش محذرنك من دخول المطعم ده. وكمان جالس تأكل مع الزباين"

هكذا قطع حديثهما صوت الجرسون الغاضب وهو يقترب من الصبي الذي وقف خائفا يرتعد متحفزا للهروب.

" اتركه يكمل أكله. أنا العزمته"

وجه حاج عبد الرحمن حديثه للجرسون الثائر.

" أنت العزمته؟ دول شفع حرامية ومتربين شوارع. كل يوم سارقين ليهم زبون."

" معليش خليه يكمل أكله على راحته"

" يا سيد لو أنت مهتم بيه لهذه الدرجة ليه ما تعزمه معاك في  البيت وتريحنا؟"

رد  الجرسون بشيء من السخرية والخبث. لكن لم يفت على حاج عبد الرحمن ما يلمح إليه وما يقصده.

" خلاص سيب كلامك الفارغ ده  وروح شوف شغلك."

زجر حاج عبدالرحمن  الجرسون  وبصوت حانق. يبدو انه هذه الأيام لا يصدق أن يعمل إنسان معروفا لأحد لوجه الله وبدون ثمن ! 

ابتعد الجرسون عن المكان وهو ينظر إلى الحاج بشي من الريبة. اطمأن الصبي قليلا وجلس مرة أخرى ليكمل طعامه.

" شكرا عمو. أنا غلبتك معاى."

قال ذلك مع ابتسامة عريضة تضيء وجهه الوديع. لم يستطع التعبير بأكثر من ذلك على امتنانه لحاج عبد الرحمن الذي دافع عنه بإخلاص.

" معليش. خلص على كل الأكل قدامك.  دا واحد جرسون حقير."

 فجأة شعر حاج عبد الرحمن برغبة ملحة لزيارة الحمام. إنها "غدة البروستاتا" اللعينة. متى ما شعر بالرغبة في التبول عليه الإسراع للحمام وإلّا تسرب البول من مثانته ليبلل ملابسه الداخلية في الحال. نهض مسرعا قبل فوات الأوان متوجها نحو الحمامات ناسيا في عجلته حقيبة يده.

" من إذنك دقائق يا تامر رايح الحمام. خلص أكلك"

أكمل حاج عبد الرحمن المهمة بسرعة أعقبها شعوره بارتياح كبير ومن ثم خرج عائدا لطاولته. تذكر انه ترك الحقيبة في مكانها مع إسراعه للحمام. لم يلحظ الصبي على الطاولة. انتابه شي من الفزع مما كان يخشاه. لقد اختفى  تامر ومعه الحقيبة. يا لحظه العاثر. سوف يشمت عليه كل الجرسونات وخاصة ذلك الذي حذره من الصبي !!.

بادر حاج عبد الرحمن أحد الجرسونات.

"أين ذهب ذلك الصبي؟. لقد سرق حقيبتي."

" لقد حذرناك يا سيد ولم تسمع. العوض على الله. الشفع دول كل يوم عاملين ليهم عملة قبيحة زي وجوههم. بلغ الشرطة يمكن يحصلوه  قبل ما يتصرف في الشنطة."

 

الفصل1 | الفصل2 | الفصل3 | الفصل4

 

الدكتور الأمين بخاري


 عودة للأعلى

 
 
   

تصميم : المهندس

لأفضل تصفح يرجى استخدام  Internet Explorer 6  أو Firefox 1.5
مع دقة شاشة 600*800 أو 768*1024

جميع الحقوق محفوظة © لـ :موقع النفسية 2005 - 2008