العيادة النفسية للدكتور : الأمين اسماعيل بخاري

اتصل بنا English مشاركات الزملاء المنتدى النفسي الصفحة الرئيسية

القائمة الرئيسية >>حكايات نفسية>>النقناقة >>الفصل الأول

 
 

 النقناقة

الفصل الأول | الفصل الثاني

حاج سعدالله تاجر خردوات معروف  في بلدته ومشهور بأخلاقه الفاضلة ومودته وحبه لعمل الخير وعلاقاته الاجتماعية الممتدة. تعامله المتميز مع زبائنه وزملائه في التجارة جلب له محبة الكثيرين الذين  ائتمنوه في تعاملهم معه مما ساعد كثيرا في تنشيط عمله التجاري وتوسعه.

 وهو متزوج من فتحية بنت خاله التي أنجبت له خمسة من البنين والبنات الموفقين في دراستهم. أحواله المادية الجيدة ساعدت على  إلحاقهم بأميز المدارس في البلدة بالرغم من المصاريف المدرسية الباهظة التكاليف.

حياته الأسرية مستقرة وهادئة ومتماسكة  إذ استطاع أن  يوفر  للأسرة كل احتياجاتها المادية بسخاء وهو يستجيب لطلبات الزوجة والأبناء بدون أي تردد في حدود إمكانياته. الزوجة فتحية بالرغم من تعليمها المحدود فقد سخّرت نفسها لأسرتها وهى تقضى يومها بأكمله منشغلة بشؤون المنزل والأبناء والضيوف وأصدقاء الأسرة العديدين الذين لا يكفون عن الزيارة وطلب المساعدة أحيانا.

الشيء الوحيد الذي يؤخذ على فتحية هو مطالبها المادية الكثيرة التي قد لا يستطيع حاج سعدالله الاستجابة لها فوراً مما يثير حفيظتها وتذمرها والتلفظ أحياناً بألفاظ  تؤلم زوجها متهمة إياه بالبخل وعدم الاهتمام بمطالبها.

في مثل هذه المواقف يؤثر حاج سعدالله كبح جماح نفسه حتى لا يصدر منه ما يطور الخلاف ويؤدي إلى الشقاق. وقد اعتاد  أن يلجأ إلى غرفة نومه وهو يكظم غيظه لينام طويلا  ليصحو بعد ساعات  وقد استعاد زمام نفسه من جديد. والغريب في الأمر تكون فتحية قد نسيت تماماً تصرفها ذلك معه  وتتعامل معه من جديد  وكأن لم يبدر منها ما شيء.

 وكما يقال " إن الأيام دول" أي لا تستقر على حال أو منوال واحد, فقد تغيرت الأمور كثيرا في الآونة الأخيرة  فتدهورت الأحوال التجارية بصورة غير متوقعة نسبة لشح  السيولة النقدية مع تغير النفوس والقلوب مع انعدام الثقة والنقض بالوعود والعهود. ونتيجة لذلك فقد تدهورت تجارة حاج سعدالله وأصبح المحل لا يدر دخلاً يكفى لتغطية كل احتياجات الأسرة. فكثير من المستدينين من الحاج والذين ائتمنهم وسلمهم بضاعة مؤجلة الدفع  وبالتقسيط المريح  ارتجعت شيكاتهم التي استوفت السداد من البنك. وكذلك أخذ  البنك يلاحقه لسداد الديون التي عليه والتي انقضى عهدها ويهدد باللجوء إلى القضاء إن لم يبادر بالسداد. وعدد من المدارس ابتدأ يطالبه  بسداد المصروفات المدرسية المتأخرة لأبنائه و إلا أوقفوا عن الدراسة.

 في أحد الأيام عاد حاج سعدالله إلى المنزل في حوالي الساعة الخامسة مساء من متجره وهو مثقل بالهموم وفى حالة يأس شديد.  لقد زاره محامي البنك في متجره وهو يحمل إنذاراً أخيراً بأنه إذا لم يتمكن من الإيفاء بقسط من الديون التي تعهد بدفعها خلال أسبوع فسوف يقوم البنك باللجوء للقضاء  للحجز على المتجر والمنزل  لسداد كل الديون المستحقة عليه.

توجه الحاج مباشرة إلى غرفته ليجتر همومه لوحده، إلا أن فتحية أحست بمقدمه وقطعت عليه الطريق وبادرته بحدة طالبةً مبلغاً كبيراً من المال للاستعداد لخطوبة الابنة الكبيرة سلمى,وعدها الحاج خيراً متجنباً مجادلتها وبالتالي إثارتها وطلب منها إفساح الطريق له ليمر إلى حجرته. وما كان منها إلا أن اتهمته كالعادة بالشح والبخل والتهرب من مسؤولياته وأنه أصبح لا يحتمل  ولا يطاق وليس هو كالرجال الآخرين الذين يسخون  في الصرف على أسرهم,هذه المرة  طفح الكيل بحاج سعدالله واحمرت عيناه وتجهم وجهه ولم يشعر إلا وهو يهم بصفع وجه فتحية ما لم تسرع سلمى للوقوف بينهما مباعدة والدها عن والدتها وهي تترجى والدتها أن ترحم  والدها وتقدر ظروفه المادية السيئة ومؤكدة لها  أنها من ناحيتها لا تمانع من إرجاء الخطوبة سنة كاملة لحين تحسن ظروف والدها. رمقها والدها بنظرة حنونة وهو يعلم بحبها وتقديرها له وأنها قريبة من قلبه من سائر الأبناء الآخرين,تركهما الحاج متوجها إلى الغرفة إلا أن فتحية التي شعرت بالإهانة وجرح كرامتها لمحاولة الحاج صفعها أمام  ابنتها لاحقته بصوتها معايرة له بمزيد من الكلمات الجارحة !

دخل الحاج غرفته وهو في حالة تشبه الذهول من الغضب, ولا يكاد يرى ما أمامه  وشاعراً بدوار فى رأسه. وكالعادة استلقى  بكامل ثيابه على سريره وهو يتميز من الغيظ  إلاّ أنه ابتدأ خلال دقائق يشعر كأن كل جسمه يغوص في هوة حالكة الظلام وما هي  إلا لحظات  وقد انفصل  العالم الخارجي بأكمله عن إدراكه ليولج نفسه في حالة سبات عميق.

 في تلك الأمسية الحافلة بالأحداث لم يتناول حاج سعدالله غداءه المتأخر ولم يصح لصلاة المغرب  وقد قارب  الوقت صلاة العشاء ولم يخرج من الغرفة بعد. انتابت فتحية بعض الظنون والهواجس ودخلت غرفة الحاج لتستطلع  الأمر فإذا به لا زال مستلقياً على سريره بدون حراك,نادت عليه  بهدوء لكي توقظه ولكنه لم يبد أي استجابة, دنت منه ولامست بيدها ذراعه الأيمن وهالها عدم تحركه, وما كان منها إلا وأن صاحت بأبنائها مستغيثة:

" تعالوا...  أجروا يا أولاد شوفوا أبوكم. نومتو اليوم ما ياها  زى كل يوم؛  ما بيسمع وما بيتحرك!!"

انزعج جميع الأولاد والبنات وهرعوا لغرفة والدهم لاستجلاء الأمر ولكنهم لم يفلحوا على إيقاظه أو تحريكه.

عندها صاحت سلمى بوالدتها:

" خلاص يا أمى أنتهيتى منه بكلامك القاسى الكتير, حليل أبوى الراح وسابنا لوحدنا."

لم يستطع الجميع حبس دموعهم للمأساة الماثلة أمامهم فأجهشوا بالبكاء والنحيب, أما فتحية فانكفأت على وجهها وهى تولول وتنوح:

" سجمى الليلة وين أودى وجهى من الناس. أنا الكتلت راجلى  ويتمت أولادى."

قرر الأولاد الإسراع بوالدهم إلى المستشفى عسى أن يتمكن الأطباء من إنقاذه إن لم يكن قد فارق الحياة بعد,حملوه سريعاً إلى السيارة وهو لا يحرك ساكنا ولا يستجيب لأي مؤثر خارجي كجثة هامدة.
استقبلهم طبيب الحوادث سريعا  وبالصدفة كان  من أقرباء الأسرة الذي أهتم بالأمر وأجرى كشفا
ً سريرياً كاملاً على الحاج,طمأنهم الطبيب بأنه لا زال حياً وأن حالته ليست بالخطرة وكذلك أوضح  لهم أن تنفسه ونبضه بالرغم من أنها بطيآن  إلا أنها منتظمان. هو فقط يحتاج إلى إجراء بعض الفحوصات إلى أن يحضر الطبيب الأخصائي الذي استدعي على عجل.

  أجرى الطبيب  الأخصائي عند حضوره كشفاً سريرياً دقيقاً على حاج سعدالله  ومن ثم راجع كل الفحوصات من رسم للقلب وتخطيط للدماغ  وصور أشعة للرأس  وللمرة الثانية طمأن الأسرة على أن الحاج من الناحية العضوية يعتبر سليماً وأنه سوف يستدعى الأخصائي النفسي لأخذ رأيه.

 راجع الطبيب النفسي كل المعلومات الطبية المتوفرة واستفسر من  أسرة الحاج عن الملابسات التي سبقت الحالة وتوقف عند مواجهة زوجته فتحية له مع العبارات القاسية التي وجهتها له  ومحاولته صفعها قبل توجهه لغرفته في حالة غضب شديد,وكذلك تعوده بعد كل مواجهة مع زوجته أن ينام لفترة طويلة على غير المعتاد, وقد أوضحوا له كذلك  أن الحاج يمر بظروف مادية سيئة  وضغوط من البنك وعدم تعاون من الدائنين. 
وضح للطبيب النفسي من تلك المعلومات الهامة أن الحاج
يعاني من حالة نفسية انشطارية تمثلت في نوبة  ذهول وسبات  عميق مع سكون حركي شبه كامل. هذا يفسر عدم استجابته  للأوامر الصوتية ولا للمؤثرات الخارجية وبالتالي فهو لا يتكلم ولا يتحرك. عندها أخبر الأسرة بأن حالة الحاج نفسية بحتة وأنه سيأمر بتحويله لقسم النفسية لمتابعة علاجه هناك وسوف يعطيهم توضيحا أكثر لاحقاً.

 

الفصل الأول | الفصل الثاني


 

الدكتور الأمين بخاري


 عودة للأعلى

 
 
   

تصميم : المهندس

لأفضل تصفح يرجى استخدام  Internet Explorer 6  أو Firefox 1.5
مع دقة شاشة 600*800 أو 768*1024

جميع الحقوق محفوظة © لـ :موقع النفسية 2005 - 2010