|
رحلة العمرة
استيقظ يحيى في الصباح الباكر وهو في
غاية النشاط والحيوية لاستقبال يوم جديد. لقد أخد كفايته من النوم
الهادئ العميق لعدة ساعات متواصلة.
للحظة تجول بعينيه حول الغرفة التي يشاركه فيها شقيقه إبراهيم و الذي
يصغره بعامين. كل شيء يبدو طبيعياً
وفي مكانه وساعة الحائط تشير للسادسة صباحاً,
كما ولم يخف على
سمعه أيضا حركة والدته في المطبخ كعادتها كل صباح وهي
منهمكة في
إعداد
الشاي وسندوتشات المدرسة.
أخيراً
استقرت عيناه على وجه إبراهيم الذي يرقد قبالته والذي لا يزال يغط في
نومه.
للحظة خيّل
إليه أن إبراهيم يبتسم له فلم يتمالك إلا أن يرد الابتسامة بأعرض منها
فهما يكنان لبعضهما كل ودّ
ومحبة.
فجأة شد إنتباه يحيى شعور محبط تكرر
كثيرًا
عند الصباح... شعور بالبلل والرطوبة يغمر ملابسه الداخلية. سارع بكشف
اللحاف الذي يتغطى به مكتشفا كما كان يتوقع أن جسده وملابسه وأغطية
الفرش غارقة في سائل البول الذي تسرب من مثانته أثناء نومه. شعور عظيم
بالهم والغم أنتابه نتيجة لما حدث مصاحبا بشيء من الالم.
" يا ألهى ماذا أفعل مع هذه
المصيبة؟". دارت هذه الخاطرة في عقل يحي.
" لقد قمت بكل شي طلبه منى الطبيب قبل
أن أذهب للسرير ليلة البارحة. لقد أفرغت كل محتويات مثانتي... وتناولت
الحبوب... و لم أنس تقليل السوائل في المساء...ماذا أفعل أكثر من ذلك
لكي أتخلص من هذه المشكلة اللعينة." أسترسل يحيى في أفكاره.
وبتثاقل ترك سريره, ومن ثم قام
بانتزاع أغطية السرير ملقيا بها في سلة الغسيل قبل أن يتوجه للحمام
ليستحم وليغير ملابسه.
لم يتنبه يحيى أطلاقا أثناء نومه للحاجة
لزيارة الحمام. كذلك لم يشعر بتسرب السائل إلى جسمه وملابسه فيفيق من
نومه. وقد يحدث ان يتكرر الأمر أثناء الليل والنتيجة واحدة. احد
الأسباب أن يحيى ينام نوما عميقا ومتى ما أستغرق في النوم فيصعب
أيغاظه بعد ذلك. الوالدان يعلمان هذه الحقيقة ولذلك يتركانه يستكمل
نومه إلى الصباح. وفي اغلب الأحيان وهما يهمان بأيغاظه أثناء
الليل ليذهب للحمام يكتشفان أنه قد تبول
مسبقا على فرشه فيتركانه يكمل نومه.
يحيى والذي يبلغ الرابعة عشر من عمره
محبوب من أصدقائه وزملائه في الدراسة. فهو ذكى ومهذب وودود. يعتز
ويفتخر به والداه لتأدبه و احترامه لهما. وكثيرا ما كان يحلو لوالدته
أن تحلف باسمه. والده يشعر بالزهو عندما يناديه أصدقاؤه بأ " بو
يحيى ". أما شقيقه إبراهيم فيعتبره مثله الأعلى ويحاول تقليده في كثير
من الأمور ويستمتع كثيرا بمشاركته هواياته واهتماماته.
الشيء الوحيد الذي ينقص حياة يحيى
ويعصر قلبه بالألم هو مشكلة التبول الليلي التي صاحبته منذ طفولته وذلك
برغم المحاولات العديدة التي قام بها الأطباء. أدوية مختلفة تعاطاها عن
طريق الفم أو الاستنشاق قبل أن ينام وبرامج سلوكية عديدة يتبعها
بانتظام يوميا قبل النوم ولكن بدون فائدة. لقد أصابه الكثير من اليأس
والإحباط وفقدان الثقة بالنفس لعدم جدوى كل هذه المحاولات.
والداه وشقيقه إبراهيم متفهمون للأمر
ويحاولون باستمرار تشجيعه ورفع معنوياته لأنهم يعرفون أن الأمر خارج
سيطرته ويحدث ما يحدث بالرغم منه وبدون أرادته. والدته تدعو الله
كثيرا بأن يأخذ بيده وهى لا تبدى أي تذمر أو أمنعاض من غسل الملابس
وأغطية السرير يوميا.
مع الأيام أصبح يحيى يخشى قدوم الليل.
وهو مستلق على سريره يتصور في ذهنه ما سوف يحدث أثناء نومه ويتوقع
تماما ما سوف يكتشفه عند استيقاظه صباح اليوم التإلى. وفي أغلب
الأحيان يتحقق توقعه.
كالعادة كل سنة أعدت أدارة المدرسة كشفا بأسماء
التلاميذ الذين تم أختيارهم لتأدية العمرة وذلك اعتمادا على نتائج
امتحان نصف السنة. و كما هو متوقع كان أسم يحيى من بين تلك الأسماء.
كل المختارون كانوا سعداء بالاختيار إلا يحيى الذي لم يبد أي شعور
بالابتهاج بل بدا شاردا مهموما مما حير أصدقاءه الذين تساءلوا فيما
بينهم عن السبب. لم يكن من بينهم أحد يعرف سر يحيى الدفين.
الأسرة تفهمت تماما الأمر وأبدت تعاطفها
لحزن يحيى الذي اطلعهم بأنه لا يستطيع الذهاب مع المجموعة كيلا يفتضح
سره للآخرين فيسخرون منه ويشمتون عليه. بعد تدبر في الأمر قررت والدته
أن تأخذه للطبيب عسى أن يكون لديه حل ولو مؤقت للمشكلة كي يستطيع يحيى
مرافقة زملائه. هذه المرة قرر الطبيب تحويل يحيى لزميل يعالج مثل هذه
الحالات الصعبة عن طريق تقنية التنويم العلاجي.
أبدى يحيى تحمسا كبيرا للعلاج الجديد
لأن شيء داخله أوحى إليه أنه سوف يستجيب وينهى هذه المشكلة. لذلك
اظهر تعاونا منقطع النظير مع المعالج الذي لاحظ أن يحيى
يستجيب لإيحاءاته بصورة مذهلة مما ساعده على التعمق في نشوته
التنويمية التي تساعد على إيصال كل الإيحاءات المرغوبة لعقله الباطني. و بعد أول جلستين
توقف يحيى عن التبول ليلا في الفراش وبعد الجلسة الأخيرة تأكد المعالج
أن يحيى قد سيطر تماما على مشكلته. لم يكتف المعالج ذلك بل درب
يحى على تنوم نفسه ذاتيا واعطاء عقله الباطنى الأيحاءات المرغوبة التى
تقوى عزيمتهوتعطية قوة الأرادة والتصميم والثقة بالنفس للسيطرة على
مشكلته نهائيا.
الآن صار يحيى لا يخشى قدوم الليل
فهو يذهب إلى فراشه ليلا وهو متيقن من أنه سيصحو صباحا على فراش ناشف. أخيرا تولى عقله
الباطني أمر السيطرة على عملية التبول ليلا كما يقوم بها عقله الواعى
نهارا
مانعا أي تسرب للبول أثناء النوم كما كان يحدث سابقا.
سر
أصدقاء يحيى كثيرا عندما أخبرهم بأنه سوف يشارك في الرحلة لقضاء العمرة
والتي كانت بحق ممتعة للغاية من الناحية الترفيهية والروحية وخاصة أن
جميعهم يذهب للأراضي المقدسة لأول مرة. أما الأسرة فكانت أكثر سعادة إذ
أن يحيى استطاع أن يحقق شيئين عظيمين في آن واحد.. التخلص من مشكلة
التبول الليلي وثانيا قضاء العمرة.

ملاحظة:
الرجاء مراجعة
مقالة: التبول
الليلي اللا
إرادي.
 |